الأربعاء، 11 مايو، 2016

الشيعة والسنة بين التقريب المذهبي والاحتراب السياسي .


  يُعد انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة أكبر استقطاب شهده الإسلام منذ فجره إلى يومنا، وهذا الانقسام في أصله كان صراعا سياسياً ثم تحول إلى انقسام ديني تبعته مع مرور الزمن قطيعة تامة في بعض الأحيان، وقد انقسمت بلاد المسلمين بالفعل إلى جزء يسيطر عليه السنة وآخر يسيطر عليه الشيعة.
شهد تاريخ المسلمين محاولات لرأب الصدع بين الطوائف الإسلامية وكان من أبرز المحاولات فكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني وعرفت بها حركته الإصلاحية في القرن التاسع عشر، وقد أراد التأكيد على حقيقة وحدة مصير العالم الإسلامي وأن نهضته لن تتحقق إلا بوحدته، تنقل الأفغاني بين البلدان الإسلامية قربه بعض حاكميها وطرده آخرون، وقد بث أفكاره الإصلاحية في مجلته الشهيرة "العروة الوثقى" إلا أن  مشروع الأفغاني توقف بوفاته عام 1897م، رغم محاولات تلميذه محمد عبده إكمال مسيرته وإن اختار طريقا آخر.
التقارب المذهبي    في عام 1947م تشكل في القاهرة المجلس التأسيسي لدار  التقريب بين المذاهب الإسلامية وضم المجلس عشرين عضواً من مختلف المذاهب الإسلامية ( السنة والشيعة الإمامية والزيدية ..) ترأّس المجلس في أول تأسيسه الشيخ محمّد علي علوبة باشا الذي كان وزيراً  للأوقاف والمعارف في عدة حكومات مصرية، كان من بين الأعضاء مفتي القدس الحاج الشيخ أمين الحسيني والشيخ محمّد تقي القمّي ممثلا للشيعة الإمامية وعلي بن إسماعيل المؤيد والقاضي محمّد بن عبدالله العمري عن الزيدية. وكان صاحب فكرة تأسيس الدار الشيخ تقي الدين القمي، بدعم وتأييد من الشيخ محمد المراغي شيخ الأزهر رحمهم الله، وكانت دعوة القرآن إلى اجتماع المسلمين وتأكيده في أكثر من موضع على وحدة أمتهم هي الدافع لهؤلاء المصلحين للاتفاق على هذا المشروع والمضي فيه.
وهنا تجدر الإشارة إلى معنى التقريب والمراد به قبل الخوض في التفاصيل، يعتقد البعض أن المراد بالتقريب إزالة المذاهب أو تذويبها وجمعها في مذهب واحد!، لذا أراد بعض المعنيين بمشروع التقريب الهروب من هذه التهمة فقالوا إن المراد به "التقريب بين أتباع المذاهب وليس المذاهب ذاتها" ولا يمكن أخذ هذا التعريف على وجه الدقة فهو يعبر عن أحد نتائج التقريب أو أهدافه ولا يعطي تصورا دقيقا عنه، وإذا كان المراد به التقريب بين أتباع المذاهب دون المساس بالمذاهب ذاتها فهذا خارج موضوعنا، ويمكن أن يقال نفس الشيء عن التقريب الاجتماعي أو السياسي دون المذهبي. لذا  لتعريف التقريب وتبسيط معناه بشكل أدق،  يمكن القول أن التقريب: جهد مشترك من علماء الإسلام يوسع دائرة المتفق عليه بين المذاهب الإسلامية ويردم فجوات الخلاف المصطنع، متجاوزا العداوة الطائفية والصراعات التاريخية، لإزالة حواجز العزلة ودوافع البغضاء الدينية بين أتباع المذاهب.
 لا شك أن ألف وأربعمائة عام من الخلاف والاستقطاب السياسي  ساهمت في تراكم أوهام أكسبها الزمن قيمة دينية لدى كل مذهب وأتباعه.
 لقد نجحت دار التقريب في تحقيق أهدافها من خلال العديد من المشروعات وكان من أبرزها مشروع (مجلة رسالة الإسلام) وهي مجلة علمية فصلية صدرت عام 1947م واستمرّت سبعة عشر عاما، شارك فيها عدد من العلماء والمفكرين من مختلف الطوائف والأقطار  الإسلامية، وكان للدار جهود علمية عظيمة ساهمت في إزالة الكثير من الحواجز و الأوهام التي يتصورها السنة عن الشيعة والعكس، وكان من مشروعاتها تفسير للقرآن مجمع عليه بين علماء المذاهب، وشرح الأحاديث النبوية المتفق عليها في المذهبين السني والشيعي، برغم ذلك لقيت دار التقريب ومؤسسوها هجوماً عنيفاً من الجانبين الشيعي والسني إذ يقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله «كان الجو السائد عند بدء دعوة التقريب مليئا بالطعون والتهم، وهوجمت الدعوة لا من فريق واحد بل من المتعصبين والمتزمتين من كلا الفريقين، السني الذي يرى أن التقريب يريد أن يجعل من السنيين شيعة، والشيعي الذي يرى أننا نريد أن نجعل منهم سُنة".
 في عام 1964م توقف نشاط دار التقريب  وتم إغلاقها في مصر بأمر سياسي، والعديد من المصادر تذكر أن هذا الموقف كان رداً من الحكومة المصرية على الثورة الإيرانية وفي اعتقادي أن هذا غير صحيح، فثورة إيران كانت شرارتها الأولى في 1977م بينما نشاط دار التقريب كان قد توقف تماما قبل الثورة بأكثر من عشر سنين، والسبب الأقرب  والأكثر موضوعية هو العجز المادي الذي تسبب في توقف نشاطها، خصوصا وأن عمل الدار كان بجهود شخصية من الأعضاء تعتمد على بذلهم العلمي والمادي لذا لم تكن أعداد المجلة منتظمة الصدور وكذلك الأعمال الأخرى قبل أن تتوقف تماماً. ويبدو  أن الرأي الذي يربط توقف نشاط الدار  بالثورة الإيرانية هو محاولة دعاية للثورة أو ضدها.  بعد ثلاثة عقود من توقف الدار في مصر تأسس في إيران "المجمع العالمي للتقريب" عام 1990م استلهاما لمشروع دار التقريب ينشط المجمع بإقامة ندوات ومؤتمرات وينشر أبحاثا في موضوعات مختلفة،  ولكن  في عام 2007 بدت مؤتمرات التقريب تصبح أكثر توترا وانفعالا من الطرفين (الشيعي والسني)، ففي ذلك العام  أبدى الشيخ يوسف القرضاوي عدم ارتياحه للنتائج التي تخلص إليها مثل تلك المؤتمرات، واعتبرها "مؤتمرات للمجاملات وليست لوضع الإصبع على الجرح» ثم أردف بقوله «لا بد وأن يكون للحوار شروطه وقواعده" حتى نضمن نجاحه في التوصل للأهداف.  وكانت الأحداث السياسية في العراق وتصاعد الصراع الطائفي بين الشيعة والسنة أحدث تلك الفجوة، ثم كان التدخل الإيراني في العراق دافعاً  لكثير من علماء السنة الذين أعلنوا رغبتهم بعدم الاستمرار في مشروع التقريب، إذ يرون فيه استغلالا إيرانيا لبسط النفوذ السياسي في الدول العربية ومناطق السنة تحديدا حيث تعرض كثير منهم للقتل والاعتقال، وهو ما تؤكده أحداث العراق منذ ذلك الوقت وحتى الآن بل وامتد المشروع الإيراني إلى سوريا واليمن، وهذا ساهم في  التوتر بين أتباع المذهبين ورموزهما. إضافة إلى ذلك فإن المجمع العالمي للتقريب لم يواصل رسالة التقريب كما كانت عليه دار التقريب في مصر ، فزيارة سريعة للموقع الإلكتروني واجهة المجمع العالمي توضح فكرة التقريب لدى القائمين عليه فهو يعبر عن مواقف الحكومة الإيرانية السياسية  وأخبار "قائد الثورة"  تحت غطاء التقريب. وقد فشل المجمع العالمي للتقريب الذي اتخذ من طهران مقراً له لإرتباطه بالدولة ومشاريعها التوسعية، فيما نجحت دار التقريب الأولى التي تأسست في أربعينيات القرن الماضي لأنها مؤسسة أهلية مستقلة قامت على جهود علماء و أهل فكر أخلصوا لمشروعهم.
قد يبدو أن طرح موضوع التقريب بين المذاهب مجرد عبث في الوقت الراهن ونحن نتابع أحداث الثورة السورية، وذلك  لارتباطه بتأييد عدد من المثقفين والسياسيين "الشيعة" لجرائم بشار، وهو بلاشك موقف سياسي طائفي وكذلك موقف حزب الله اللبناني. ولكن هذه المواقف المنحازة لمشروع إيران تعبر عن جزء من الشيعة فهناك رموز من علماء الشيعة كالعالم الشيعي اللبناني السيد علي الأمين الذي استنكر تدخل حزب الله في سوريا في أكثر من لقاء تلفزيوني، وكذلك العالم الشيعي العراقي السيد الصرخي و غيرهم كثر من المثقفين والشخصيات الشيعية البارزة، كما أن هناك من السُّنة مؤيدون لنظام بشار بل وكتلة كبيرة يتكئ عليها نظامه الدموي في دمشق من الطائفة السنية ( التجار ومشيخة دمشق وحركة القبيسيات السنية وهي حركة نسوية دعوية)، إن واجب العقلاء أن لا يأخذهم هيجان الجماهير فينخرطوا في دفع المجتمعات إلى مزيد من الاقتتال والتناحر الطائفي، وسيبقى في كل طائفة ومذهب متعصبون متطرفون تعميهم الإيديولوجيا و آخرين مصالحهم الشخصية مقدمة على أي مبدأ. 
عوائق التقريب:
إن أبرز عائق في طريق التقريب وكذلك التعايش هو العائق السياسي ثم الجهل الديني، فالاختلاف والعداء الديني في معظمه ناتج عن  عوامل سياسية ومصلحية في البداية ثم جهل من أحد الطرفين أو كليهما بمذهبه أو بالمذهب الآخر. ولن ينجح مشروع التقريب برعاية من حكومات استبدادية لا تؤمن بالاختلاف ولا تراعي الحقوق العامة والخاصة، ويمكن لمشروع التقريب  أن يقطع أشواطا ويحقق أهدافا أكبر إذا ما توفرت له بيئة حرة علميا وسياسيا، لذا فمن الضروري أن يقام بين علماء الجالية الإسلامية في أوروبا والدول الغربية بشكل عام بعيدا عن الضغوط السياسية في بلداننا فهناك توجد الحرية التي يفتقدها علماء المسلمين العرب والإيرانيون في بلدانهم. كما يلاحظ تقصير من علماء السنة العرب في التحاور مع علماء الشيعة العرب، وهذا أحد الحلول لتجاوز مشروع إيران السياسي بأن يكون مشروع التقريب بين علماء السنة والشيعة العرب، فاختزال الشيعة في إيران أو تصوير إيران وعلمائها كالممثل الرسمي للمذهب الشيعي يعد من أبرز مشكلات المشروع المعاصرة، والتشيع في أصله عربي وتربطنا بالشيعة العرب وشائج و مصير واحد، فأوطاننا ولغتنا واحدة. و التقريب مشروع إصلاحي لا يجب أن يتخلى عنه علماء المسلمين، إنما يمكن تعليق المشروع لحين انتهاء الأزمات السياسية،  إن الحدود الضيقة للحياة السياسية والتقييد الصارم لحرية التعبير والظلم تثمر بلاشك ثقافة صراع ونزاع طائفي، لذا فإن الإصلاح السياسي والعدل في الحقوق ينفي رغبة التنازع بين الناس، ولتحقيق التقريب يجب أن يتحقق العدل بين المسلمين بمختلف طوائفهم، وألا يُظلم أحد منهم لانتمائه المذهبي أو الديني، لذا من الضروري أن يسير المفكرون والعلماء في خطين متوازيين الأول الإصلاح السياسي والاجتماعي الذي يضمن التعايش في إطار عادل يقارع الظلم وأهله، والثاني الإصلاح الديني الذي يهدف إلى جمع الكلمة وإزالة رواسب التاريخ.