الأربعاء، 21 يناير 2015

الفتوى و عجز المجتمع


       للفتوى مكانة خاصة لدى المجتمع المسلم منذ فجر الإسلام، وهي علم له شروطه و واجباته لم تكن كلأ مباحا لكل عابر، ولا حصناً منيعا عن عامة الناس بل هي حق لكل من استوفى شروطها العلمية أياً كان.
   
تطورت "ثقافة الفتوى" وتأثرت بمرور الزمن عبر التاريخ الإسلامي، بمؤثرات المجتمع والسلطة السياسية والسياقات الأخرى التي تحيط بها من استعمار وغيره، سقطت السلطة السياسية مرات وبقيت سلطة الفتوى قائمة تضعف وتقوى بحسب حالة المجتمع، لم يكن لأي سلطة سياسية أن تقوم وتلغى سابقتها إلا بتوظيف مفتين جدد يشرعونها لدى الناس.
في زمن الدولة الحديثة "القُطرية" أصبحت الفتوى جزءًا من هوية هذه الأنظمة وصوت يعبر عن مصالحها وثقافتها، وفي الغالب لم تعد الفتوى ومؤسساتها إلا "ديكوراً" تجميليا، أو سوطاً يجلد به من يخالف هذه الحكومة أو تلك.
 في ظل الأنظمة الشمولية غاب دور المجتمع و لم يعد للإنسان قيمة إلا في دائرة هذه النظم، تطور حال الفتوى وسلطتها بتطور حال النظم وكلما تغولت السلطة السياسية تضخمت الفتوى معها وربما تسبقها وتمهد الطريق لها.
إن قيمة الفتوى من قيمة مصدرها ومنبعها "القران والسنة" ، إلا أن ما يعتري الفتوى من شوائب أفقدها هذه القيمة و جعلها سلعة أبعد ما تكون عن المنبع، حالة التشوه والشلل التي تصيب مجتمعات الأنظمة الشمولية تخلق إنساناً مستلسماً لا يفكر ولا يحتج أو ربما مستمتعاً ومدافعاً عن من يسحق عقله وفطرته ودينه.
لا يعرف هل يحق لزوجته وأم أولاده السفر مع قريبتها بالطائرة ؟ يجد من  يفتيه بالإباحة فيتنفس الصعداء، ثم يأخذ الإذن من إدارة الأمن لتسافر  زوجته سفراً شرعيا!
كانت الفتوى مجرد رأي يمكن مناقشته والرد على صاحبه وإن كان خليفة المسلمين، أما اليوم فهي جزء من أدوات النظم الشمولية وزينتها قد تتخلى عنها بحثا عن زينة وأداة أجمل.
إن تغول الفتوى في تفاصيل حياة الناس ظاهرة تدل على هشاشة المجتمع وبعده عن رسالة الإسلام  التي تحث الفرد على محاولة الإدراك والتمييز بنفسه، يقول عليه الصلاة والسلام "استفت قلبك "[1]  ويقول "أنتم أعلم بأمر دنياكم"[2]    
إن مجتمعاً لا يمكن أن يعيش الإنسان فيه ويمارس أموره الحياتية الصغيرة إلا بفتوى من شيخ أو مؤسسة، يعبر عن حالة مرضية لا علاقة لها بالدين.


[1] حديث حسن، النووي، الأذكار 504

 [2] حديث صحيح، الألباني، صحيح الجامع 1488

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق