الأربعاء، 29 يناير، 2014

معجزة الثورة التونسية ومواعظ الدراويش !

منذ اندلاع الثورات في العالم العربي نشط أعداء الحريات والديمقراطية ووظفوا أموالهم وإعلامهم لوأد حرية الشعوب بأي شكل من الأشكال، إلا أن تونس تجاوزتهم عبر توافق حركة النهضة ذات الأغلبية الانتخابية مع المعارضة ومختلف القوى السياسية وتنازلها عن المكاسب الحزبية وتقديم المصلحة الوطنية الكبرى على المصلحة الضيقة.
وقد أقر المجلس الوطني في تونس يوم الأحد الماضي 26 يناير الدستور الجديد للبلاد بما يشبه الإجماع على بنوده، إذ وافق عليه 200 عضو من أعضاء المجلس التأسيسي من أصل 216، ويصدق عليه وصف الرئيس التونسي المنصف المرزوقي "المعجزة التونسية".

* لماذا "معجزة"؟

إن مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية بعد الثورة مرحلة دقيقة في تاريخ دول الربيع العربي اليوم، فالتأسيس لعصر سياسيٍ جديد يقطع مع نظام الدولة الشمولية، ويعيد الاعتبار للمواطن بوصفه كائناً حُرا، فاعلاً في بناء المجتمع المدني، أمر ليس بالهين في دول عاشت شعوبها عقوداً تحت حكم الحزب الواحد، وتحت هيمنة الرئيس أو الزعيم أو العقيد الذي يختزل السلطات كلها، ويجمع الصلاحيات كلها ويتعالى عن النقد والمحاورة.
ومن ثمَ، فإن الانتقال من الأحادية إلى التعددية، ومن القمع إلى الحرية حدث تاريخي، يؤدي غالباً إلى ظهور قوى جديدة وفاعلين سياسيين تنتجهم صناديق الاقتراع، ويُفترض فيهم العمل على تلبية حاجيات الناس الملحَة، وفي مقدمها توقهم إلى العدالة الاجتماعية والحريات العامة والخاصة، وتوقهم إلى السلام الأهلي والرفاه الاقتصادي والعيش الكريم، وتلك مطامح يقتضي تحقيقها توافر إرادة سياسية حريصة على التغيير، وإجماع وطني على ضرورة الإصلاح (1).
نجحت حركة النهضة في التماهي مع مطالب الشعب التونسي وتطلعاته وأثبتت بجدارة نضجها السياسي وأنها قادرة على أن تكون الممثل الحقيقي لما يطمح إليه التونسيون، فقد عبر 68% من التونسيين أن من شروط إقامة دولة ديمقراطية توفير الحريات السياسية والمساواة بين المواطنين وإقامة نظام حكم ديمقراطي (2).
وللشيخ راشد الغنوشي تصريح وكلمة جميلة فيها عمق وإدراك للمرحلة، حيث عبر عن موقف حركة النهضة بعد الاتفاق على الدستور بقوله: "لقد تنازلْنا لأجل الحرية التي إن فُقدتْ فقدنا كل شيء".
 
  لكن يبدو أن عددا من الإسلاميين "المحافظين" سواء من السلفيين أو الإخوان أو غيرهم.. لم يعجبهم موقف النهضة في تونس وهو من وجهة نظرهم "تنازل عن المكاسب وانسلاخ وميوعة  إلخ .."  من المزايدات الشعاراتية والدروشة السياسية، وهو نفس منطق حزب النور السلفي الذي انحاز إلى معسكر السيسي ودعم الانقلاب، ومن مبررات حزب النور لهذا الموقف "الحفاظ على الشريعة وخوفا على الإسلام في مصر من انتشار التشيع والحسينيات، إذ إن ميوعة "الإخوان" في مصر فتحت المجال أمام السياح الإيرانيين.!! (3)
والسؤال ماذا لو لم تتنازل حركة النهضة التونسية في هذه المرحلة وتقدم المصالح الكبرى على المصالح الحزبية الضيقة، فواجهت الناس واستفردت بالقرار وفرضت آراءها لا محالة ستخسر وسينقسم الشارع، حينها من الذي سيطبق الشريعة للمزايدين الدراويش؟ أم سينتظرون "سيسي" آخر "متغلب" ليبايعوه وفق الشريعة التي يفهمونها؟
معظم الدراويش لديهم من الإيمان والجرأة ما يكفيهم ليبايعوا الحجاج بن يوسف مقابل كلمة "شريعة أو إسلام" توضع في الدستور! فالإسلام بالنسبة لهم ليس إلا شعارات أو صور، بينما الإسلام حقيقة أن يعيش الإنسان حُرا كريما في مجتمع يسوده العدل والإحسان لا ظلم فيه.
علما بأني أعتقد أن أيا من هؤلاء المزايدين لم يقرأ نص الدستور التنوسي بمبادئه العامة وبنوده كاملة.
إن كان هناك مشروع لإفشال مسيرة الديمقراطية في تونس، فأعتقد أنه لن يتم إلا عبر هؤلاء الإسلاميين "المزايدين"، وستجند لهم القنوات الإعلامية وتضخ لهم الأموال "حماية للشريعة وللإسلام في تونس" بذات الأموال والوسائل التي وصموها بأنها "تحارب الإسلام في مصر"!.. فإن سقطت التجربة الديمقراطية في تونس فلن يجني هؤلاء الدراويش ثمار مزايداتهم "الشعاراتية" إلا في المعتقلات وبالمزيد من هدر الدماء البريئة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1-  أنور الجمعاوي، ورقة "الإسلاميون في تونس وتحديات البناء السياسي والاقتصادي للدولة الجديدة.."، من كتاب الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي، 2013 ط الأولى 463.
2 - المؤشر العربي 2011، مشروع قياس الرأي العام العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
3 - أنظر: خطاب من "الدعوة السلفية" بمصر إلى فضيلة الشيخ ناصر العمر .." منشور في موقع أنا السلفي أيضا نُشر في صفحة "الدعوة السلفية الرسمية" بتاريخ 14 يناير 2014، وهو رد على بيان نشره الشيخ ناصر العمر في موقع المسلم موضوعه "بيان حول المواقف السياسية لحزب النور" نشر بتاريخ 12 يناير 2014.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق