السبت، 12 مارس، 2011

25 يناير .. اللحظة الأولى


قبل 25 يناير بأسبوعين تقريبا أراقب الفيسبوك وبالأخص الصفحتين المؤثرتين تأثيرا بالغاً في تنظيم التظاهرات المصرية, الأولى صفحة ( حركة شباب 6 أبريل ) والثانية صفحة ( كلنا خالد سعيد ) وفي تلك الليلة تم تحديد مواقع انطلاق المظاهرات في جميع المُحافظات كان أقربها بالنسبة لي في القاهرة - حيث أُقيم - موقعين الأول : أمام المدخل الرئيسي لجامعة القاهرة . الثاني : ميدان مصطفى محمود في شارع جامعة الدول بالمهندسين. والأخير كان الأنسب لي, عدد الذين ينوون الحضور تجاوز مائتي ألف شخص ! يا الله ما الذي سأشهده غداً ؟
حرص المُنظمون على توضيح بعض الشروط لمن أراد المشاركة في المظاهرات من أبرزها : 1- التأكيد على سلمية المظاهرات وعدم التصادم مع رجال الأمن أو الاعتداء على أي شخص أو أي ممتلكات عامة و خاصة. 2- عدم التحرش بأي امرأة في الشارع .3- الالتزام بإشارات المُنظمين الميدانيين وعدم مخالفتهم . 4- انطلاق المظاهرات الساعة الثانية ظهرا من جميع المواقع وسيكون ميدان التحرير نقطة التقاء لجميع المتظاهرين المنطلقين من نقاط مختلفة . 5- الاتفاق على هتافات محدده يرددها المتظاهرون خلف أشخاص تم التنسيق معهم لكي لا يكون هناك فوضي في تعدد الهتافات واختلافها.
كتب أحد الشباب الخبراء في العمل الميداني بعض النصائح للمشاركين كارتداء لباس رياضي وأن يكون البنطال واسعا ليساعد على الحركة, واصطحاب عُلبة ماء للشرب وعدم حمل شيء ثمين لاحتمال سقوطه أو أي شيء ثقيل قد يعيق الحركة.. وغيرها.
بحلول ليلة 25 يناير وبعد منتصف الليل ارتميت على فراشي ولم أشعر بنفسي إلا وأُذان الفجر يأتي من بعيد وكنت لم أنم بعد قضيت ليلتي في عالم آخر في تفكير وتخيلات وتساؤلات ليس لها حدود .. هل سأشهد يوما تاريخيا يقلب العالم ويغير سياسات دول المنطقة وتنقلب الموازين لصالح الشعوب العربية ؟ أم سأشهد يوما تاريخيا أيضا ولكن في القمع والقتل والتنكيل بمتظاهرين مدنيين مسالمين ؟
بعد صلاة الفجر عُدت إلى عالمي اللا محدود حتى بزغت شمس 25 يناير غلبني النوم أخيرا .. استيقظت الساعة 11 صباحا راجعت الفيسبوك لأتأكد أن المواقع لم تتغير فوجدت التأكيد عليها وكذلك تم التأكيد على موعد انطلاق المظاهرات في تمام الساعة الثانية ظهرا, استحممت وارتديت اللباس المناسب ثم تناولت الإفطار في أثناء ذلك كله كان قلبي يخفق بشكل غير طبيعي وأشعر بدقاته السريعة إحساس غريب ربما يعرفه العشاق لا أنساه أبداً فالحرية عشقي في أي أرض كانت, كان قلبي يخفق للقاء عشيقته وينبئني بأنه سيراها هنا في مصر, خرجت من شقتي وقد أخذت معي جهازي الحاسب المحمول وكاميرا التصوير صحيح أني باصطحابهما خالفت الاقتراحات في عدم حمل شيء ثقيل أو ثمين ولكن هذا إيمانا مني بأنه يجب تغطية المظاهرات وإرسال الصور مباشرة عن طريق الانترنت قبل أن يتم حجبه كما حصل في تونس !!
ركبت مع التاكسي وكان السائق رجل عجوز طاعن في السن طلبت منه أن يوصلني إلى ميدان مصطفى محمود, وبعد التحية ودردشة سريعة سألته قائلا : يا حاج تفتكر يحصل في مصر زي اللي حصل في تونس ؟
أجاب : يا بني ده من سابع المستحيلات الحكومة هنا بنت وسخة وعَملَه زي الإخطبوط ليها يد في كُل حته لو فكر حد يعمل فيها زي ما عمل الشعب التونسي في حكومته ربنا يستر من اللي هيحصله .. وأثناء الحديث دخلنا شارع جامعة الدول حيث ميدان مصطفى محمود كان الشارع مكتظا برجال الأمن وشاحنات رجال الأمن , سائق التاكسي مشدوها يبحلق عينيه حتى وصلنا إلى ميدان مصطفى محمود الساعة الواحدة والنصف وجدنا المتظاهرين قد اجتمعوا أمام جامع مصطفى محمود مقابل الميدان يهتفون " عدالة.. حرية .. كرامة إنسانية " يسقط يسقط حسني مبارك ".. حسني مبارك: باااطل ... الحزب الوطني: باااطل " يا حُرية فينك فينك .. الداخلية بيني وبينك " والأمن يحاصرهم من ثلاث جهات أما الجهة الخلفية فكان يحدهم الجامع .. قال سائق التاكسي بعد أن طلبت منه أن يقف لأنزل هنا : هو فيه إيه يا بني ؟ أجبته : هُما دُول شباب مصر اللي حيغيرواها يا حاج وحيرَحلوا حسني السعودية زي بتاع تونس .. أعطيته الأجرة فرفض وعيناه تكاد تدمعان وهو يقول لي : ربنا معاكو يابني .. ربنا معاكو ياجدعان .
نزلت من التاكسي والمشهد كما هو الشباب يهتفون والأمن مكتظ حاولت الاقتراب أكثر من المتظاهرين وأخرجت الكاميرا وبدأت في التصوير وكلما اقتربت أكثر سمعت صوتا ينادي من بعيد يا جماعة ماحدش يصور !! تقدمت أكثر وكأني لا أسمع .. و لم يفصلني عن المتظاهرين سوى صف رجال الأمن المحيط بهم .. من خلفي أسمع ذات الصوت يقترب مني أكثر إنتَ يا للي بتصور ؟ أواصل المتابعة وكأني لا أسمع .. جذبني من الخلف وحاول خطف الكاميرا , التفت إليه فوجدته بلباس مدني ومما يبدو أنه مباحث قال لي : التصوير ممنوع وممكن أصادر الكاميرا بتاعتك ! فقلت له : من متى والتصوير ممنوع ؟ أنا سائح وأبرزت له جواز سفري وأكملت قائلا : بما أني سائح فليس من حقك منعي من التصوير ما دمت أصور في مكان عام . قال : طيب كويس إنت فاهم النظام عشان كده لازم تبعد عن المكان ده لو سمحت وأنا مسئول عن حمايتك << قلت في نفسي : حلوة مسئول عن حمايتي كثر لي منها 
تراجعت قليلا بعد نقاش طويل معه .. وأخرجت كاميراتي لأصور مرة أخرى والمسافة بيني وبين المتظاهرين لم تكن بعيدة فقط عشرة أمتار تقريبا كانت كفيلة بإبتعاده عني لخمس دقائق على الأقل .. رجع إليّ و فاجأني بوضع يده على عدسة الكاميرا قائلا بتعمل إيه ؟ فاجبت وأنا حانق جدا شايفني أعمل إيه يعني غير التصوير ! فقال : لو مش عايزني أغلط فيك متصورش . قلت: هي المسألة عناد ولا إيه ؟ فأتى ضابط آخر بلباس الشرطة ورتبته رائد فيما أذكر فنهر صاحبه وقال بلطف: صور وخذ راحتك زي ما أنت عايز !!
الساعة الثانية إلا خمس دقائق, مجموعات من الشباب يتوافدون إلى ميدان مصطفى محمود متفرقون وكلهم ينظرون إلى تلك المجموعة التي احتمت بالجامع ومازالت تهتف وعدد أفرادها لا يتجاوز الأربعمائة والأمن يحاصرها .. فجأة بحركة ذكية جدا تقدم من المجموعة نصفهم إلى الجهة الأمامية وأخذوا يضغطون على رجال الأمن رافعين أيديهم إلى الأعلى ويهتفون " سلمية .. سلمية " هنا بدأ رجال الأمن بالتوتر والاضطراب محاولين تكثيف العدد من الجهة الأمامية , لحظتها دخلت وسطهم فوجدت النصف الآخر من المجموعة مجتمعين على شكل دائرة والنصف الأول ما زال يضغط ويتقدم باتجاه رجال الأمن وفي تمام الساعة الثانية ظهرا انسحب الشباب الذين اجتمعوا في النصف انسحبوا إلى الخلف ثم انطلقوا دفعة واحدة من الجهة اليمنى فشقوا الحاجز الأمني وهم يهتفون " الله أكبر .. الله أكبر .. حرية .. حرية .. حرية " أنفجرت ضاحكا وذرفت عيناي دموع الفرح .. كنت كالمجنون أركض معهم حتى وصلنا ميدان مصطفى محمود ثم أغلق الشباب شارع جامعة الدول بأكمله .. يا الله هل أنا أحلم مصر تتغير .. بل العالم يتغير فمصر بوابة العالم العربي .. أقسمت بالله من حينها أن هذه الثورة ستنجح وسيسقط نظام مبارك, أرسلت الرسائل عبر الجوال إلى بعض الأصدقاء في السعودية قلت فيها : " بدأت الثورة في مصر والقاهرة الآن فوق تحت.. مصر على درب تونس تسير إنها شرارة البوعزيزي يارفاق " لحظتها كنت ثملا بخمرة الحرية نسيت التصوير ونسيت من أنا أيضا .. أركض مع الراكضين كالمجنون بل كنت مجنونا بحق أصفق لهم أحييهم .. أضحك .. أبكي .. أنظر إلى السماء وأنا في وسط الجموع وأصرخ : يــا الــــــــلــــــــــه .
أغني معهم : يا مصر يا أُم ... أولادك أهُم .
بعد إن اجتمع المتظاهرون في وسط الشارع وأغلقوه كان عددهم يتجاوز الألف أتى ضابط شرطة برتبة عقيد يتفاوض مع الشباب بأن يخلوا الطريق بعد أن توقفت الحركة المرورية تماما مقابل أن لا يمس رجال الأمن منهم أحدا, رفض الشباب وأخبروه بأنهم يريدون التوجه إلى ميدان التحرير عبر كوبري أكتوبر ويجب على رجال الأمن أن يفسحوا الطريق لهم لأنهم لا يريدون إيذاء أحد منهم فحركتهم سلمية, هنا حاول الأمن السيطرة على الموقف ومحاصرة الشباب مرة أخرى إلا أن تكتيك الشباب وازدحام الشارع أربكتهم ففقدوا السيطرة .. بدأ الشباب بالتحرك إلى أول الشارع وهم يهتفون " واحد إثنين .. الشعب المصري فين " واحد اثنين .. الشعب المصري فين " وهنا بدا الناس بالاستجابة والتوافد أكثر فأكثر عدنا مرة أخرى باتجاه مصطفى محمود كان في ظني أن الشباب ينوون تجاوز الحاجز الأمني الذي أمام الجامع ومن ثمَ إلى كوبري أكتوبر ولكنهم خالفوا ظني وعاكسوا توقعات الأمن فاتجهوا فجأة باتجاه الدُقي أو البحوث على الأصح عبر طريق اسمه شارع البطل أحمد عبد العزيز على ما أظن , وعبر الطرق والأزقة الضيقة بين البيوت ويهتفون " واحد اثنين .. الشعب المصري فين " خرج الناس من الشبابيك والبلكونات يصفقون لهم ويرفعون علم مصر والنساء يزغردن .. والشباب يغيرون هتافهم إلى " انزل انزل " ويشيرون إلى من في الشبابيك والبلكونات بأيديهم أن تعالوا .. وصلنا الدقي واقتربنا من دار الأوبرا وكان العدد قريبا من عشرة آلاف هنا دخل وقت أذان العصر فتوقفت الهتافات وتوحدت الأصوات لتردد مع المؤذن , في تلك الأثناء إلتقيت بأحد الشباب المنظمين وكان نشاطه واضح في توجيه المتظاهرين حييته وعرفته بنفسي , ثم سألته: لماذا اخترتم يوم الثلاثاء أليس يوم الجمعة أفضل لتضمنوا حشدا أكبر من الناس خصوصا بعد صلاة الجمعة ؟ قال : إنت كلامك مزبوط بس زي ما انت عارف اليوم اجازة عيد الشرطة وكنا عايزين نشوف تجاوب الناس معنا وعلى اعتبار هذا التجاوب حتكون المظاهرات أقوى وأكبر يوم الجمعة الجاي .. ضاحكا يقول : أصل إحنا مش حنوقف التظاهر لحد ما تخدوا حسني عندكو في السعودية وتريحونا  نظر إلي ساخرا يسأل : إلا صحيح إنتو مش حتعملوا ثورة في السعودية ؟
أجبته : وركبتاي ترجفان ! لا .. لا .. ثورة إيه يا عم ؟ الحمد لله كل شيء عندنا زي العسل بس نفسي في حاجة وحدة بس تحصل عندنا في السعودية, سألني : وإيه هيه ؟ أجبته : نفسي بصراحة يصير مجلس الشورى بالانتخاب ويعملوه كده زي البرلمان ونحس إن صوتنا مسموع في البلد وإن لينا شوية رأي معتبر بس .. ولا عايزين تغيير نظام ولا ما يحزنون .
ضحك وقال : لا دنتو حالتكوا صعبة جدا . قلت له : يا ليت تعطيني رقم جوالك لأني خايف يفصلوا اتصال الانترنت وانا عايز اتابع معاكم الأيام الجاية . أعطاني رقمه ثم افترقنا وهو على اتصال مع المظاهرة الأخرى القادمة من جامعة القاهرة يخبرهم أين هم الآن ومتى يجب أن يلتقوا في ميدان التحرير .
مضينا نحو ميدان التحرير حتى وصلنا إلى كوبري قصر النيل كان تواجد رجال الأمن أكثر كثافة وكلهم يحملون الهراوات إقتربنا منهم وكان الشباب يهتفون بصوت واحد " حنعدي .. حنعدي .. حنعدي " " سلمية .. سلمية .. سلمية " اشتبك الأمن مع بعض الشباب إلا أن المنظمين استطاعوا السيطرة على الموقف وأخذوا يصافحون رجال الأمن ويحيونهم بلباقة ويهتفون " كلنا مصريين .. كلنا مصريين " فعبرنا ودخلنا كوبري قصر النيل بسلام وتجاوزناه إلى ميدان التحرير وكأننا الفاتحين رأيت عدد كبيرا من الشباب وهم يبكون فرحا لدخولهم الميدان أحدهم يقبل الأرض والآخر يسجد شكرا ويقولون : سننام هنا في التحرير هنا الاعتصام وهناك بدأت شاحنات الأمن المركزي بالدخول وسط المتظاهرين ومحاولة تفرقتهم بالقوة وقنابل الغاز المسيل للدموع تسقط في كل ناحية من الميدان وبكثافة حينها " شعرت باختناق في التنفس وحرارة فضيعة في الرئتين والأنف و كأن وجهي يحترق وأنا وسط الغاز لا أبصر شيئا وعيناي تدمعان لا إراديا .. كنت أحاول أن أنقذ من حولي ممن أصابته حالة إغماء أو صرع " بدأ رجال الأمن لا يفرقون بين مدني مسالم وآخر .. فقانون الطوارئ يحميهم في كُل حال !!  


أصبحنا بين حالة كر وفر مع الأمن رأيت الإصرار والبهجة تملئان وجوه الشباب والبؤس والفجور يملئان وجوه الأمن فكانت نتيجة النصر معروفة لمن ستكون أخيرا , انزويت في ركن من أركان الميدان وفتحت جهازي المحمول لأرفع الصور التي التقطتها لأضعها على صفحتي في الفيسبوك, بقيت مع الشباب في ميدان التحرير ذلك اليوم إلى ما بعد صلاة العشاء وقد أدينا الصلاة في الميدان بعد أن فرض الشباب قبضتهم بإحكام على الميدان .. قفلت عائدا إلى شقتي وكلي فرح وسعادة لا توصف ولا أستطيع وصفها حتى اللحظة.
وعاشت مصر حُره .. وعاش الشباب الأحرار .

 الثلاثاء 25 يناير الساعة 11 ليلا من أجمل ليالي العرس العربي القاهرية .

هناك 8 تعليقات:

  1. حمستني اكتب مذكراتي عن الثورة المصرية
    في ميدان التحرير بالذات

    فعلا كانت أيام من أجمل أيام حياتي إن لم تكن اجملها

    يعطيك العافية والحمدلله عالسلامة ياباشا :)

    ردحذف
  2. والله أشعلت جمرة الحرية في أدمعي يارجل
    برافوا عليك
    متابعين التكملة

    ردحذف
  3. عشت مع كلماتك بكل كياني , دمعت عياني بدمعك وفرحت بفرحك,لك من الشكر اجزله واوفره
    تحيتي لقلمك المدرار

    ردحذف
  4. رائعة , , , رائعة جدا , واصل ياسفير المظاهرات السعودي , , ,

    ردحذف
  5. joojoo : أكتبها ولا تتردد .. الله يسلمك يا برنس :)


    رفاهية : مرحبا بك , وبإذن الله أنشر التكملة قريبا .

    meshref : الله يخليك .. هذا من لطفك يا عزيزي .


    a7maed : الرائعة عيناك فلاترى الشيء إلا رائعا .

    ردحذف
  6. ليس غريب عنك ابا فائز هذا الابداع وكل دعائي لك بالتوفيق و السداد

    ردحذف
  7. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  8. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الفاضل الكريم...حفظكم الله ورعاكم
    وأنتم جزاكم الله خيراً
    بل انا من شرفت بحضوركم الكريم بارك الله فيكم
    سيدي الفاضل ، لم تترك لي فسحة لمفردات اتكئ عليها ،،
    أسرتني عباراتكم الطيبة العبقة
    شكرا جزيلا على تعليقكم القيم
    . ولكنه تفضل منكم أنتم أهل الفضل ...
    فجزاكم الله خير الجزاء وجمعنا واياكم فى مستقر رحمته ...
    كل الشكر والاحترام والتقدير
    الدرة

    ردحذف