الأحد، 2 يناير، 2011

اليوم العالمي لحقوق الإنسان واعتقال المثقفين


لا كرامة للإنسان إلا بحريته ..
اليوم الجُمعة هو اليوم العاشر من شهر ديسمبر، وفي هذا التأريخ من كل عام تحتفل دول العالم بذكرى "اليوم العالمي لحقوق الإنسان"، فتحرص كل دولة عادلة على أن تُبرز إنجازاتها وما حققته من تقدُم في هذا المجال عبر الإعلام والمؤسسات الحقوقية والاجتماعية .. 
وقد تعتذر عما بدرَ منها من تقصير وانتهاك لحقوق مواطنيها بكل شفافية ووضوح، وبهذا فهي ترفع من مستوى الثقافة والوعي لدى أفراد شعبها بما يسهم في تماسكها داخليا وتناسقها مع شعوبها، ونحن لسنا بمعزلٍ عن هذا العالم، بل إننا في هذا البلد الأمين المملكة العربية السعودية أحق الناس بهذا التكريم للإنسان فهنا مهبط الوحي، كما أن القرآن الكريم دستور المملكة الذي قال الله تعالى فيه: "ولقد كرمنا بَني آَدَمَ وحملناهُم في البرِّ والبحرِّ ورزقناهُم مِنَ الطيِّباتِ وفضلناهُم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضِيلا" (الإسراء / 70)، وتكريم الإنسان في هذه الآية هو: جَعلُهُ كريماً أي نفيساً غير مبذولٍ ولا ذليل1. 
إن كرامةَ الإنسان مكفولة في الشريعة الإسلامية بضمان حريته، قال تعالى: "إنّا عرضنا الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبال فأبينَ أن يحمِلنها وأشفقنَ مِنها وحَمَلَها الإنسان إنهُ كان ظلوماً جهولا" (الأحزاب / 72)، "فهذه الأمانة التي حملها الإنسان دون كل الموجودات إنما حملها بناءً على إرادته الحُرة التي كان بها إنسانا، فهي إذن عنصر أساسي من إنسانيته، وحينما تُنتهك حرية الإنسان بأن تُلغى بأي وجه من وجوه الإلغاء فإن ذلك يُعتبر استنقاصا من إنسانيته، ويعتبر بالتالي هدرا لقُدرته على أداء مُهمته التي من أجلها خُلق خلافةً في الأرض وتعميرا فيها" 2. 
والحرية لن تصبح واقعا فعلياً إلا بإقامة العدل، فهي النتيجة المنطقية للعدل الذي هو من أعظم مقاصد ديننا الإسلامي، قال تعالى: "يا أيُّها الذينَ آمنُوا كونُوا قوامِين للهِ شُهداءَ بالقسْطِ ولا يَجْرِمنَّكم شَنآنُ قومٍ على ألا تَعدِلوا اعْدِلوا هو أقْربُ للتَّقوَى واتقُوا اللهَ إن اللهَ خبيرٌ بِما تعملون"، المائدة / 8. 
وعليه: "فإن الحريةَ داخلةٌ تحت دائرة العدل، ليرسم لها العدل حدود القول والفعل والتصرف والسلوك، لتتحقق الشراكة بين الناس، بالمساواة بينهم في ممارسة الفعل العادل الحُر وليمنحها العدل بذلك بُعدها الموضوعي الاجتماعي الذي يهيئ الانسجام والتوافق بين الناس، وليبرر للحرية وسائل وأدوات وأساليب تحققها في الواقع، ويبعدها عن الغلو والشطط والتطرف والطغيان" 3. 
* لا .. لاعتقال الرأي: 
إننا بحاجة ماسة إلى النظر في مواقفنا من الحُريات والحُقوق للمثقفين والمجتمع بوجه عام، فالمثقفون صوت المجتمع وقلبه النابض، وبتضييق الخِناقِ عليهِم نضطرُّهم إلى الانعزال بشكل يؤدي إلى خضوع المجتمع لأي توتر واضطراب! وذلك لأن وظيفة المثقف الأساسية قراءة أوضاع مجتمعه وتحليلها بناءً على ما لديه من المعرفة والإدراك التي تجعلهُ مُلمٌ بالواقع ومشكلاته فيعمل على التغيير نحو الأفضل.. 
ومن هنا قام الدكتور محمد العبدالكريم بواجبه نحو وطنه ومجتمعه بقوله: "نقولها بكل صدق، وخوفا على بلادنا الغالية.."، فتم اعتقالهُ نتيجة لصدقهِ وخوفهِ على بلاده الغالية ..!! وسواءٌ اختلفنا معه أم اتفقنا، فالدكتور العبدالكريم لم ينادِ بالعصيان، أو التمرد، أو العُنف، لا سمح الله.. بل قام بدوره الطبيعي كمثقف وأكاديمي، واعٍ ومؤتمن على رأيه، كُل ما قام به هو التعبير عن رأيه ونصيحته لبلده الغالي!! قدمها بكل شفافيةٍ ووضوح لم يحابِ أي شخص، ولم يكتبها مستخفٍ خلف اسمٍ مستعار، فهو مثقف شريف في زمنٍ قلَّ فيه الشرفاء. 

والواجب علينا ألا نكتُم الرأيَ والشهادة، سواءٌ أكانت قضائية أم اجتماعية أم سياسية، فَرَبُنا تبارك وتعالى يُخاطبنا بذلك في قوله تعالى: "ولا تكتُموا الشهادةَ ومن يكتُمها فإنهُ آثم قلبُه واللهُ بِما تعملونَ عَليم"، البقرة / 283. وقال تعالى: "ومن أظلمُ مِمن كَتَمَ شهادةً عندهُ من اللهِ وما اللهُ بغافلٍ عما تعملون" (البقرة / 140)، فأين الخطأ الذي اقترفه الدكتور العبدالكريم وغيره من سُجناء الرأي؟! 
إن المثقف الحُر ليس هو الذي يُرضينا بالمقالات وتصفيف الكلمات بتنميقها أمام أعيُننا طمعاً في المنصبِ ولُقمة العيش، فإذا أمسى بمجالسهِ الخاصة أظهر حقيقته وتنكر لوطنه في سبيل مصلحةٍ أخرى جناها في تلك المجالس! 
تكميم الأفواه والتضييق لا يصنع إلا بيئةً جيدةً لذوي الوجهين والمصالح، بيئةً خصبة لنمو النفاق الاجتماعي والسياسي والديني، فهل هذا مُرادٌ لبلادنا؟ 
إننا باعتقال المثقفين نُرَوجُ لأفكارهم ورؤاهم ولا يمكن أن نحبسها بحبسهم، فبمجرد أن أُعتقل الدكتور العبدالكريم تناقلت وكالات الأنباء الخبر وذاع صيته وتبادل الشباب مقالتَه، فانتشرت كانتشار النار في الهشيم، بعد أن كانت متداولة في وسطٍ نخبوي ضيقٍ جدا. 
والسؤال الذي يُطرح الآن: ما مستقبل الحُريات في بلادنا؟ 
لا بد أن نَعيَ أن بلادنا في العقد القادم مُقبلة على عهدٍ ثقافي مختلفٍ تماما عن الذي قبله، فآلاف الشباب المبتعثين خارج المملكة، سيعودون بثقافات متنوعة من بلدان مختلفة، إلا أنهم بتنوع هذه الثقافات، فإن معظمهم متفق على أمرٍ واحدٍ، وهو "الحقوق والحريات"، لأنهم عايشوها واقعا ملموسا فعرفوا قيمتها، سيأتون وهمهم قضايا العدالة والمساواة، سيسألون عن كل شيء، سيطالبون بالشفافية ومحاسبة المفسدين من تجار ومتنفذين، فكيف سنتعامل مع هذه الحقيقة؟ وماذا سيكون جزاء هؤلاء الشباب الباحثين عن نهضةِ وطنهم؟ هل هو السجن والاعتقال؟ 
بل إن مواضيع كثير من الشباب في اجتماعاتهم وجلساتهم اختلفت اليوم تماما عن الأمس، لم يعُد هاجسهم الأول الحصول على وظيفة أو تملك السكن أو الحصول على سرير "بالواسطة" للعلاج في إحدى مستشفيات وطنهم! فقد تيقنوا أن ضمان مستقبلهم مرهونٌ بتحقيق العدالة والمساواة.. نعم لقد أصبحت "العدالة والمساواة في الحقوق"، من أهم قضاياهم ليرتقوا بوطنهم العزيز وليكون لهم الدور الرئيس في هذا الرُقي. 
وأخيرا، لا بد أن نعترف أن من أبرز سِمات تخلُف الدول، هي أن يُصبح القانون أداة لقمع المجتمع وأفراده! فالأصل أن يكون القانون مصدراً لقوَة الفرد وحمايته، وذلك باستقلاله.. فمن باب أولى إن كان هذا القانون يستمد أحكامه من الفقه الإسلامي العادل. 
إن الدول الأكثر تقدُماً تفخرُ بآراء مثقفيها وعلمائها حتى وإن كانت آراؤهم حادةً وصريحةـ لأن هذه الدول تعلم علم اليقين أن المثقف لبِنة أساسية في بنائها الاجتماعي فتُقدِمُ لمثقفيها كل الدعم بإنشاء المراكز والمؤسسات لخدمتهم ودراسة أرائهم وأفكارهم بالتحليل والنقد، والتطبيق كذلك! فهل سنلحقُ بهذا الركب الحضاري وننهض بأُمتنا ووطَنِنَا أم أن الرجوع إلى الخلف هو قدَرُنا في القرن الحادي والعشرين؟ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
1 ـ ابن عاشور - التحرير والتنوير 15 / 165 
2 ـ عبدالمجيد النجار - مقاصد الشريعة، ص 104 
3 ـ سالم القمودي - من أجل نظرية إسلامية ص 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاشية أخيرة  :)
التدوينة أصلها مقال منشور في مجلة العصر الإلكترونية و مجلة رؤية  كذلك , كتبتهُ في ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان
  الموافق ليوم الجمعة 10 / 12 / 2010  بعد اعتقال الدكتور محمد العبدالكريم الذي أُعتقل في يوم الأحد الموافق 5/ 12 / 2010 بسبب مقال نشره على صفحته الخاصة في الفيس بوك  بعنوان :" أزمة الصراع السياسي بين الأجنحة الحاكمة في السعودية " ومازل معتقلاً حتى اللحظة  !!